
تحدث ابن الجوزي في مقدمة كتابه هذا عن سبب تأليفه له فقال: "شكا إليّ بعض من أثرت شكواه إثارة همتي في جمع هذا الكتاب من بلاء ابتلى به، وهوى هوى به، وسألني المبالغة في وصف دواء دائه فأهديت له نصيحة وَديد لأودّائه، وقد أتيت بها على أبلغ ترتيب. من هذا نلحظ السبب الكامن خلف قيام ابن الجوزي بتأليف كتابه هذا الذي عرض فيه لمسألة هي من أهم المسائل التي تعتري الإنسان وقلبهُ، ألا وهي العشق والحب. فانبرى للتحدث عن هذه المسالة الفتاكة التي أفسدت القلوب والأبدان، وحمل معاول الهدم، متسلحاً بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة والتابعين، وما ذكر من قصص المغرمين، وما ذلك إلا ليبعد المسلم عن السقوط فيما سقطوا. ومن المواضيع التي تطرق لها ابن الجوزي في كتابه هذا نذكر: في فضل العقل وما جاء فيه، في ذم الهوى والشهوات، في ذكر من كفر بسبب العشق، في ذكر أخبار من قتل معشوقه، ماهية العشق وحقيقته، الآفات التي تجري على العاشق من المرض والضنى، في الحث على التوبة والاستغفار، في إثم النظر وعقوبته، في حراسة القلب من التعرض بالشواغل والفتن. التحذير من عمل قوم لوط، الافتخار بالعفاف، ثواب من غض بصره عن الحرام.. وبالنظر لما يتطرق إليه المصنف من مواضيع في هذا الكتاب فقد اعتنى "خالد عبد اللطيف السبع العلمي" بتحقيقه وبغزو الآيات المستشهد بها فيه وبتدوين ترجمة لأسماء الأعلام الواردين فيه، كما واعتنى بالتعريف بالبلاد الواردة في النص وبضبط الكلمات والأسماء الغربية، وبالتقديم للكتاب بمقدمة صغيرة يبين فيها أهمية الكتاب، وسبب تأليفه ومنهج المؤلف فيه.
Author

هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عُبَيْد الله بن عبد الله بن حُمَّادَى بن أحمد بن جعفر وينتهي إلى أبي بكر الصديق. عاش حياته في الطور الأخير من الدولة العباسية، حينما سيطر الأتراك السلاجقة على الدولة العباسية. وقد عرف بأبن الجوزي لشجرة جوز كانت في داره بواسط ولم تكن بالبلدة شجرة جوز سواها، وقيل: نسبة إلى فرضة الجوز وهي مرفأ نهر البصرة. حظي ابن الجوزي بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما برز في كثير من العلوم والفنون، وبلغت مؤلفاته أوج الشهرة والذيوع في عصره، وفي العصور التالية له، ونسج على منوالها العديد من المصنفين على مر العصور. وقد توفي أبوه وهو في الثالثة من عمره فتولت تربيته عمته، فرعته وأرسلته إلى مسجد محمد بن ناصر الحافظ ببغداد، فحفظ على يديه القرآن الكريم، وتعلم الحديث الشريف، وقد لازمه نحو ثلاثين عامًا أخذ عنه الكثير حتى قال عنه: لم أستفد من أحد استفادتي منه. شيوخة وأساتذته تعلم ابن الجوزي على يد عدد كبير من الشيوخ، وقد ذكر لنفسه (87) شيخًا، منهم: أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر خاله، كان حافظًا ضابطًا متقنًا ثقة، وفقيهًا ولغويًا بارعًا، وهو أول معلم له. أبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي اللغوي المحدث والأديب المعروف، وقد أخذ عنه اللغة والأدب . أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري المعروف بابن الطبري [ 435-531هـ =1043-1136م] وقد أخذ عنه الحديث . أبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسين بن إبراهيم بن خيرون [ 454-539هـ = 1062-1144م ] وقد أخذ عنه القراءات . منزلته ومكانته: كان ابن الجوزي علامة عصره في التاريخ والحديث والوعظ والجدل والكلام، وقد جلس للتدريس والوعظ وهو صغير، وقد أوقع الله له في القلوب القبول والهيبة، فكان يحضر مجالسه الخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء والأعيان، وكان مع ذيوع صيته وعلو مكانته زاهدًا في الدنيا متقللا منها، وكان يختم القرآن في سبعة أيام، ولا يخرج من بيته إلا إلى المسجد أو المجلس، ويروى عنه أنه كان قليل المزاح . يقول عن نفسه: "إني رجل حُبّب إليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد بل فنونه كلها، ثم لا تقصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يتسع، والعمر ضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى بعض الحسرات". مجالس وعظه: بدأ ابن الجوزي تجربة موهبته في الوعظ والخطابة في سن السابعة عشرة، وما لبث أن جذب انتباه الناس فأقبلوا على مجلسه لسماع مواعظه حتى بلغت شهرته في ذلك مبلغًا عظيمًا، فلم يعرف تاري.