
عندما يهبط الصّيف، يأتيني صوت "كروان" من ذلك البعيد.. من زمن الفردوس الذي يبني أعشاشه فينا ونحن نرتحل في الوقت والمسافة، مدجّجين برعش الدّهشة الأولى، والأكاذيب البيضاء، وهذيانات جسد لم يكتمل.. ولذائذ لم تكتمل! كروان، رجل من زبد ودخان، ومن لحم ودم. حنجرة مسبوكة من ذهب وندى وعصافير، وعيون يكسوها بياض حجري وألق فاجع، تطفر منها دمعة مفاجئة لا تستدعيها أحزان أو ضحكات، فتنطلق حُرّة، لا تقبل السؤال، ولا تبحث عن السّبب. رجل يهبط من خاصرة نهار متوهِّج، رغم أنه يعيش في منطقة الظلال الداكنة، ظلال البدن والكون، في الزوايا شديدة العتمة فيها. يرفع عينيه نحو كبد الظهيرة ويحدِّق في الوقت، فلا يطرف له رمش. يصمد البياض الحجري بلمعانه الشّمعي لتينك العينين أمام سطوة الإشعاع الملتهب لشمس الظهيرة، فيهمس الوقت على ساعده الموشوم ولسانه المندّى.. وتهمي الألوان الباذخة على قُمَعِ الهشاشة اللذيذة. يأتيني صوت كروان، الآن، في اليوم الأول من هذا الصيف الهابط عليّ بعد الأربعين، حيث الشيب بدأ يغزو مفارق الرأس والقلب، ويكتسح طمأنينة الروح.. يجيء الصوت مثلما كنت أسمعه هناك، ظهيرة اليوم الأوّل الحار من كل سنة، صادحًا في فضاء الفردوس الشّاسع. فيجمعنا بندائه الكرواني في ساحة الحارة، بعد أن نكون قد جمعنا قروشنا القليلة التي نهرع بها إليه، لكي نشتري منه البوظة والوقت والأعاجيب! كان موعده دائـمًا هو ذلك اليوم الأول الحار من كل صيف. وإذا ما تأخّر الصّيف في المجيء، فإن كروان كان يتأخر. فقد كان الرجل يعرف وقته جيدًا ويجيء. كأنه يهبط من قرص السّماء الملتهب. يجيء ليجترح إلينا هناك، في ساحة الفردوس، رغم فقدانه البصر، معجزة البصيرة والصوت والوقت. وكنا نتساءل، نحن أولاد حارة الفردوس: – أين يختفي كروان في الشتاء، ومن أين يجيء إلينا بالبوظة والأعاجيب؟ ولم يكن ليسمح للسؤال بأن يستبد بنا طويلاً. فسرعان ما كان كروان يُغدق علينا بوظته وأعاجيبه، ومعجزاته التي كان يجترحها هناك. صوته صوت كروان حقيقي. يشهد على ذلك "يونس"، الذي كان يمتلك أذنًا تميِّز أنواع الطيور من أصواتها. ويشهد على ذلك أفق الحارة الذي تشتبك فيه تلك الأصوات المسقسقة. أما نحن، الذين لم نكن قد كبرنا بعد، فقد كان يُهيّأ إلينا أن الحنجرة الأولى انتزعت من مكانها بعد الولادة.. واستُبدلت بحنجرة طائر الكروان. لم نكن لندري إن كان اسمه حقًا "كروان"!؟ غير أن ذلك الصّوت المغرِّد، الذي ظل يجيء في موعده مع الصيف المباغت، كان يشي بالاسم، فنتنسّم في الصّوت رائحة الصّيف، ونشتم في بدن الرّجل رائحة نهار مشمس بعد ليلة أسرفت طويلاً في المطر. وما أن كان كروان يطأ الحارة، دافعاً أمامه عربته الملوّنة ذات العجلات الثلاث، المترعة بقموع البسكوت المتداخلة في فراغات بعضها البعض، المتشامخة بصخب ألوانها فوق أفق العربة، والمهيأة لانتشار ذلك السحر البارد الملوّن فوقها، والذي نلحسه بمتعة كنا نحسبها آخر متع الحياة. ما أن يحدث ذلك، حتى يبدأ الاحتفال. بعد أن كانت تستكين حنجرة الكروان، ويهدأ قليلاً غناء الطائر في أعمى البصر، كان كروان يطلق نداءات ممدودة، غنّاءة، تنمّ عن صوت شجيّ، ضاع مع الزّمن، وتكرّس لترويج الأعاجيب، التي كانت البوظة واحدة منها: – إيما.. حليب.. إيما.. يمدُّ الكلمات. تتطاول في حنجرته الحروف، تتثنى، ترقص، تشعُّ بموسيقى خَفيّة تمسُّ بأصابعها شغاف قلوب نضرة لم ينتهكها الوقت. ثم يعاودنا صوت الكروان في فاصل قصير بين النداء والنداء، كي يتجدّد النداء الآخر، بلحنٍ سحري آخر، وصوتٍ من حرير ومخمل: – بوظة.. حليب.. إيما.. بصوته العذب، ونداءاته التي تبهر آذاننا، فتنتزع من هناك، من الأعماق التي لم تكن دفينة آنذاك، دهشتها الطازجة، كان كروان ينتزع من أيدينا قروشها التي ما فتئ يراودها عن نفسها، فكانت تلك الأمّارة باللّذة تستجيب.. فنهرع إليه متزاحمين، لنشتري منه المتع التي كنا نحسب أنها هي آخر الحدود. وقد كان كروان، رغم عَماهُ، يدرك الألوان التي نطلبها من البوظة، حيث يلفُّ الوعاءين الدائريين، الاسطوانيين، الممتلئة جنباتهما بألوان متعدِّدة من البوظة، بسرعة شديدة تتحوّل فيها الألوان كلها إلى لون الحليب. ثم فجأة، يوقف الدوران بكفٍ متحفِّزة عند اللون الذي كنا قد طلبناه، وتحت يديه تستعيد كل الألوان ألوانها، فيشرع بملعقته المسطّحة يملأ بثقة قموع البسكوت بالألوان التي لفظتها ألسنتنا. نتناولها منه بأيدٍ متعجِّبة، متسائلين عن السّر الذي يجعل كروان يعرف الألوان! كان يمنحنا لذّة الألوان، لذّة الكروان. تلمُّس الهشاشة المتكسرة بين أصابعنا وتحت أسناننا. رائحة الصّيف. انسياب الحليب المتماسك المضمّخ بالعطر والسُّكر ونكهة اللون البهيج على ألسنتنا. ولم يكن كروان ليكتفي بأن يبيعنا مملكته، مملكة الحواس كلها، بقرشٍ واحدٍ فقط، بل كان يمنحنا إلى ذلك.. زيادة البيّاع! وزيادة البيّاع كانت تدهشنا أكثر من دهشة البيعة نفسها: – كم السّاعة الآن يا كروان؟ وبلا تردُّد، كان كروان يرفع رسغه الموشومة نحو عينيه اللتين تستوطنهما ظلمة أزلية. يحدِّق قليلاً في ساعة الوشم التي دقها هناك بلا عقارب، فاستقرّت على يسراه، زرقة داكنة مستعصية كان يبدو أن لا فكاك منها. يحدِّق بعينيه المنحوتتين من حجرٍ أبيض وشمع سرّي نحو قرص الشّمس الباهظة، تتشرّبان للحظات قد تطول عصارة الشُّعاع والوقت، لينزل اليقين على اللِّسان المندّى والرُّسغ الذي ترتسم عليه ساعة الوشم: ـ إنها الثانية عشرة والنصف وثلاث دقائق وسبع وعشرون ثانية. يقولها بثقة تصعقنا، فنُصاب بالأسئلة! ومن جديد، تنفطر حنجرته عن بهجة الكروان، لحنًا وداعيًا طويلاً يظل يسكننا صداه، ويقيم هناك، في الحنايا، وعند أطراف الساحة بين حجارة الفرن المهدوم، وعلى أغصان شجرات الكينا السامقة المحاذية للطرف الآخر من الساحة، وفوق أسطح البيوت وحبال الغسيل، وفي شقوق القرميد.. وتحت أجنحة الحمام الكسول. يمضي كروان مخلفًا وراءه صدى حانيًا، رهيفًا، وزوبعة عاتية من الأسئلة والدّهشة واللّذات، وشَرَرَ حلمٍ صغير تحتويه أضلعنا، بأن تكو...