
تعود الكاتبة الأردنية سميحة خريس في روايتها الجديدة "فستق عبيد" إلى السودان في حفرية روائية في التاريخ، غير أن فضاءها يترامى هذه المرة من السودان إلى الجزائر وإسبانيا بخاصة، ولتكون العبودية والزنوجة عنوانًا لهذا الفضاء، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية بعد روايتها "بابنوس" تعود الكاتبة الأردنية سميحة خريس إلى السودان في حفرية روائية في التاريخ، وذلك في روايتها الجديدة "فستق عبيد". غير أن فضاء الحفرية يترامى هذه المرة من السودان إلى الجزائر وإسبانيا بخاصة، ولتكون العبودية والزنوجة عنوانًا لهذا الفضاء، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. أما اللعبة الروائية الكبرى فهي لعبة الأصوات، حيث تقدم كل شخصية سرديتها (بضمير الأنا)، ولا يكون للساردة بضمير الغائب إلا نصيب يسير. حكايات الجد يفتتح الجد "كامونقة" الرواية وهو الـ "زول حكاي" الذي يتلقف رجال القبيلة ونساؤها وأطفالها حكاياته حول جمر الحفرة. وللجد فلسفته التي تلتبس فيها الحياة بالحكاية. فالحياة التي نعرفها بحسبانه هي ثوان في الظل، وليست كل شيء، لأن كلًا منا مسكون بكائنات خفية ترتب حياته الوهمية، وليس هذا سوى سانحة مبكرة للأسطوري في عالم رواية "فستق عبيد". تبدأ حكاية كامونقة باختطافه وسوقه إلى زريبة العبيد حيث يبيعه النخاس للتيجاني تاجر السمسم الكردفاني الذي لا أغلال لديه للعبد ولا سوط. وقد غدا العبد كامونقة خادم سيده وحارسه وأمين أسراره. ويقتحم الملخص السردي الحكاية، كما سيلي مرارًا في الرواية، لتقدم الوقائع التاريخية، ومنها ثورة المهدي الذي خرج من عباءة الصوفية إلى قتال "الكفار" الإنجليز، وقطع رأس مبعوث بريطانيا العظمى غوردون وكتب للملكة: "أسلمي تسلمي"، ووعدها، إن حَسُنَ إسلامها: "ربما زوجناك من أحد أمرائنا". وكان المهدي قد منع بيع العبيد في أم درمان، وضم الرجال منهم إلى جيشه أحرارًا. يعبر التيجاني وعبده في سوق الإماء، حيث ينادي النخاس على بضاعته: هذه زَرْقة "شديدة السواد" وهذه مفصّدة "مكوية" وهذه صفرا مولّدة "دمها أبيض أسود" وهذه دينكاوية وهذه في سنونها فلجة.. وتقدح شرارة كامونقة إذ يرى العبدة التي سيسميها اللمون، وستكون الجدة كما هو الجد، إذ يلبي التيجاني رغبة عبده بشرائها وتزويجها له. وحين يزور التيجاني خليفة المهدي يركب على كامونقة عفريتٌ اسمه "الجهاد" مضمرًا طلب الحرية، فيترك وامرأته التيجاني، وينخرط في جيش الخليفة الذي يخوض الحرب ضد المصريين والإنجليز، وهنا ينتأ الملخص السردي / التاريخي، مثله في هزيمة حاكم دارفور على دينار أمام المصريين والإنجليز أيضًا. يفر كامونقة وزوجته من الحرب إلى قبيلته الموسومة بالمجانين. ثم يرحل الجد وأسرته إلى "نيالا" حيث يزرعون سهل الرمل الأصفر بالفول السوداني أي ما يعرف بفستق العبيد، لأنه يمكن أن يوقع المرء في العبودية. فقد كان الواحد من قطاع الطرق و"الجلّابة" يكمن خلف شجرة، ويمد كفه لطفل جائع هامسًا (مجاوه مجاوه) أي: حبات الفول السوداني، وبذا يخطفون الأطفال ويبيعونهم. لكن كامونقة صار يزرع الفستق ليشبع الأطفال، ولا يمضون إلى العبودية بأقدامهم. حكايات رحمة بعد جدّها، تتولى رحمة السرد، وهي التي كانت حكاياته تضجرها، بخلاف السامعين. وكجدها، تبدأ حكايتها باختطاف النهاضين لها، وسوقها مع الفتية الطرائد بسلاسل الأقدام والدوائر الخشبية الثقيلة التي تغلّ الأعناق. ويبيع النخاس الجزائري اليهودي رحمة إلى التاجر البرتغالي ساراماغو الذي يناديها رفمة، فيكون لها اسم ثان، كما كان لجدها اسم أول هو سيد قبل أن يُسمى كامونقة، ثم صار له اسم معتوق كما ستتعدد أسماؤها. كان اليهود الجزائريون من أصل فرنسي، كما تخبر الساردة، سادة تجارة العبيد على البحر المتوسط. وكان النخاسون يهرّبون العبيد تفاديًا للدوريات التي تبحث عنهم، وبخاصة بعد اتفاقية جنيف لإلغاء الرق. لكن العبيد ظلوا يتدفقون على أوروبا وأميركا الموقعتين على الاتفاقية. وهكذا يمضي ساراماغو بالعبدة الزنجية الشابة التي تشبه المهرة، على ظهر السفينة كابرال إلى مرفأ الجزائر، حيث ينزلان عند صديق مسلم، ويدعي ساراماغو أنهما زوجان. وإذ يضاجع رفمة المسلمة تراه ودودًا ودافئًا، وتحب أن يكونا رجلًا وامرأة، ولم تعد تتذكر عبوديتها. وعندما صعدت ثانية إلى السفينة، أشاحت عن سلسلة العبيد الذين باتوا في نظرها أشياء لها لون قاتم. وتتألق الرواية في هذا التصوير لدخيلة رحمة، كذلك عندما تعود أمةً وساراماغو سيدًا على السفينة المبحرة في بداية الحرب العالمية الثانية إلى جبل طارق. ولئن كان البحر قد عقد هدنة غريبة بينها وبين البيض على السفينة، فباتت بوعي منها وتخطيط فردًا في جماعة، فقد أنجزت القطيعة مع ساراماغو الذي أصابته بالذعر جرأة نظراتها الاحتقارية له. وفي تلك اللحظة قررت رحمة أن تصير بيضاء، وجمدت مشاعرها، وكبرت زمانًا لا يعد ولا يحصى وهي ترى سيدها مرتبكًا ومتصاغرًا في طريقه إلى قريته. منذ هذا الموضع في الرواية، تبدأ الشخصيات بالتكاثر، حتى لتشبه نثارًا. وسيحكي كل منها حكايته، فتتشظى الرواية حكايات، منها ما يواصل الحفر في تاريخ العبودية، ومنها ما يواصل حكاية رحمة، فحكاية ابنتها. وبداية ذلك تكون مع وصول ساراماغو وعبدته إلى قريته ومزرعته "ديدو": الشهيرة بعنبها ونبيذها، وحيث يطأطئ أمام استبداد زوجته كارولينا ابنة الكونت. من قصة الكونت إلى قصة عشق ساراماغو وكارولينا فزواجهما فإقامة المزرعة، إلى قصة سانشو المحامي الشاب، شقيق كارولينا الذي يتفاخر بشاعر البرتغال العظيم بيسوا ويردد من أشعاره، حرفيًا وبتصرف، ما سيكون متناصات غزيرة في الرواية، تنضاف إلى المتناصات الصوفية فيما ينشد أتباع المهدي في حضرة الخليفة من "راتب – أنشودة" المهدي. كما يتحدث سانشو عن الشخصيات التي اخترعها بيسوا، ويعدها مرايا لنفسه هو. يتوالى التشكل الجديد لرحمة، فتتعلم البرتغالية، وتتساءل عمن تكون بينما تتعدد أسماؤها. فبعد رحمة التي لفظها ساراماغو رفمة، تصير فاتيما الت...