
يشكل غياب المعنى والسأم من الحياة والفراغ الوجودي، البنية الفكرية التحتية أو النموذج المعرفي الكامن للإنسان المعاصر ونمط تفكيره، الأمر وبمكان من الخطورة أدى إلى عملية تشويه مكثف للديناميات النفسية للبناء الإنساني، وأساس نظرته للوجود وصياغة فعالياته واستجاباته الانفعالية بناءاً على الشعور بعبثية الحياة وفقدان معناها وجدوى عيشها. مأزق الإنسان وأزمته تكمن في البحث عما يخفف عنه شدة وطأة الحياة، والسعي الملح من أجل إيجاد ذاته فيها؛ لذلك أصبح تشكل المعنى لدى الإنسان ضرورة وجودية لازمة من اجل استمرار بقاءه ومواجهة صراعات الحياة وانتكاساتها والتغلب عليها؛ لذا فليس أمامه إلا أن يعيش الحب بكل جدارته. إن الحب، هو أحد عوامل حل تلك الأزمات التي يعيشها الإنسان إن لم يكن أهمها على الإطلاق. فهو عنصر تجديدي يضفي على الحياة معنى ويحيلها إلى نمط وجود قابل للعيش، بل ضروري أن يعاش. الحب يقضي على حالة اللامعنى التي تتسيد شعور الإنسان وتملئ كيانه، ويجلي تلك الضبابية التي أحاطت بالوجود الإنساني حيال نظرته لذاته ولمن هم من حوله. جاءت موضوعات هذا الكتاب كمحاولة وسعي حثيث لاستجلاء ذلك الدور الذي يلعبه الحب في إعادة تشكيل الإنسان ولملمة شتات ذاته وانتشاله من شعوره ببؤس واقعه وضياعه وسط صراعات الأنا والآخر وفرض أثبات الهوية قسراً، وضعف فرص تحقيقها اختياراً. لقد استسقى هذا الكتاب أطروحته في بيان الحب ودوره في إعادة المعنى للإنسان من مقاربات ثلاث مهمة هي: المقاربة السيكولوجية، والفلسفية، والدينية، إضافة إلى مقاربات أخرى اجتماعية وبيولوجية، والتي أثبتت بدورها فعالية وجود الحب، والدور المهم الذي صاغته له بحيث أصبح وفقاً لتحليلها أمراً لا يمكن أن تخلو منه مساحة الوجود الإنساني وهويته؛ لان في افتقاده افتقاد وغياب للرغبة في أن تعاش الحياة، وأن تواجه صعوباتها وفقاً لمعنى يمنح الإنسان الإرادة والقدرة على الاستمرار فيها.