
ليس هذا كتاباً في اللغة، ولا في فقه اللغة ولا في علم اللغة، وإنما هو كتاب في فلسفة اللغة، وفي مسألة من مسائلها الأساسية التي اصطلح عليها بـ"المنعطف اللغوي" The linguistic turn. فماذا يعني المنعطف اللغوي؟ وما هي المشكلة التي يطرحها في فلسفة اللغة؟ وما قيمته وأهميته في تاريخ الفلسفة المعاصرة؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة، هي التي تشكل موضوع هذا الكتاب.0 أول من استعمل عبارة "المنعطف اللغوي" أو اللساني هو الفيلسوف الوضعي الحديد غوستاف برغمان عام 1953, ثم انتشرت العبارة وذاعت، عندما استعملها الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي، عنواناً لمجموع النصوص التي جمعها وكتب لها مقدمة نشرت عام 1967.0 لقد توجهت الفلسفة في القرن العشرين نحو اللغة، بل أصبحت فلسفة لغوية، ذلك ما تدل عليه عبارة "المنعطف اللغوي". على أن الأمر لا يقتصر على الفلسفة التحليلية أو الأنجلوسكسونية كما هو شائع، وإنما أصاب كذلك الفلسفة الأوروبية القارية، بتياراتها المختلفة وخاصة التيار التأويلي والتيار البنيوي. وعليه، فإن التحول نحو اللغة واتخاذها موضوعاً للفلسفة، لم يأخذ صيغة واحدة، كما يصوره أنصار الفلسفة التحليلية ومنهم صاحب عبارة المنعطف اللغوي، وإنما أخذ في الحقيقة صوراً متعددة.