
إذا عجز الإنسان عن بلوغ هدفه، قد يُصاب بخيبة، ولكنها خيبة تختزن الأمل بالحصول عليه في فرصة أخرى أو بعد سعي، وإذا أخطأ وكانت النتيجة خسارة ما صبا لتحقيقه، فإنه قد يحاسب نفسه ويتحمل مسؤولية ذلك. أما إذا فقد الشيء بسبب عدم تذكره، فإنه في هذه الحالة لا يحتفظ بالأمل ولا ينفع حساب النفس. ففقدان الذاكرة يصيب الإنسان بالأسى، ويترك إحساساً بعجز يحار المرء في تداركه. ولا يبقى له في هذا الحالة سوى أن يسجّل؛ إذ ليس من دواء ينفع أمام ضعف الذاكرة إلا التسجيل. هذا الهاجس يشغل عبد الرحمن منيف في أكثر من محطة له، وفي أكثر من كتاب، بل هو ملحّ دائماً على أصدقائه وعلى من يلتقيهم، أن يسجّلوا ويكتبوا، وقد كتب عبد الرحمن منيف العديد من المقدمات لكتابات ذات طابع تسجيلي، كتبها أصدقاء، ونُشرت بمساعدة أو بإلحاح منه. وهو نفسه قام بذلك مرّات في كتاباته، بل إنه يمكن القول إن هاجس تسجيل ما يحصل في مرحلة ما، كان يقف خلف أعمال روائية كبرى كتبها، ولعلّ أبرزها "مدن الملح"، التي حاول فيها تسجيل مرحلة التحول من حياة البداوة إلى عصر النفط، وكذلك "أرض السواد" التي سجّل فيها مرحلة من مراحل الصراع مع الاستعمار الإنكليزي، كما سجّل نمط الحياة في العراق وصورة الشخصيّة العراقية. وفي معظم رواياته لم يكن حضور التاريخ يهدف إلى تحديد زمن الرواية، بل كان مناسبة لتسجيل أحدا وقراءة مرحلة. تبدو كتابات عبد الرحمن منيف المتأخرة، منذ "عروة الزمان الباهي" مروراً بـ"لوعة الغياب" و"رحلة ضوء" وكأنها تهجس بأن ينجز هو نفسه ما يطالب الآخرين به، ويأتي كتاب "ذاكرة للمستقبل" ليسجّل شهادات حول محطّات وأشخاص يعيشون في ذاكرته، ولا بدّ من تسجيل ذلك ليبقى للمستقبل
Author

ولد عبد الرحمن منيف في عام 1933 في عمان، لأب من نجد وأم عراقية. قضى المراحل الاولى مع العائلة المتنقلة بين دمشق وعمان وبعض المدن السعودية. أنهى دراسته الثانوية في العاصمة الاردنية مع بدء نشاطه السياسي وانتمائه لصفوف حزب البعث اذي كان يتشكل حديثاً . التحق بكلية الحقوق في بغداد عام 1952. وبعد توقيع " حلف بغداد" في عام1955 طُرد منيف مع عدد كبير من الطلاب العرب الى جمهورية مصر. تابع دراسته في جامعة القاهرة ليحصل على الليسانس في الحقوق . في عام 1958 اكمل دراسته العليا في جامعة بلغراد ، يوغسلافيا ، حيث حاز على درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، اختصاص اقتصاديات النفط عام 1961. عاد الى بيروت حيث انتخب عضواً في القيادة القومية لفترة اشهر قليلة . في عام 1962 انتهت علاقته السياسية التنظيمية في حزب البعث بعد مؤتمر حمص وما لابسه من اختلافات في الممارسة والرؤيا . في العام 1963 تم سحب جواز سفره السعودي من قبل السفارة السعودية في دمشق تذرعاً بانتماءاته السياسية ولم يعاد له حتى وفاته في 2004. عام 1964 عاد الى دمشق ليعمل في مجال اختصاصه في الشركة السورية للنفط ،" شركة توزيع المحروقات" وفي مرحلة لاحقة عمل مديراً لتسويق النفط الخام السوري . عام 1973 استقر في بيروت حيث عمل في الصحافة " مجلةالبلاغ " لبضعة سنوات . غادر بيروت عام 1975 ليستقر في بغداد، حيث عمل كخبير اقتصادي ومن ثم تولى اصدار مجلة تعنى باقتصاديات النفط وهي " النفط والتنمية" التي كان لها صدى كبير. استمر حتى العام 1981 حيث اندلاع الحرب العراقية الايرانية . انتقل الى باريس حيث تفرغ للكتابة الروائية بشكل كامل فكانت " مدن الملح " باجزائها الاولى من اهم نتاجاته حيث غادرها في بداية 1987 عائداً الى سورية . عام 1987 استقر في مدينة دمشق ليتابع الكتابة ، متنقلاً بين دمشق وبيروت حتى وفاته في 24 كانون الثاني لعام 2004.