
ما قبل.. ولأن الحقيقة لا شكل لها ولا لون, فقد ارتأتْ الموجودات أن تُقيم اجتماعًا كونيًا, تحدد فيه ماهيّة ذلك الشيء.. أقبلت جميع الموجودات, وانتظمت حول الطاولة المستديرة, وماهي إلا لحظات حتى ارتفعت الأصوات حول تلك الطاولة, كلٌ يرسم للحقيقة شكلًا ما, ويصبغها بلونٍ ما, وأثناء ذلك الصخب الكوني تدحرجت الحقيقة من فوق الطاولة, ولم يشعر بها أحد... كانت المعرفة تلهو بالقرب من حديقة الأموات, وأثناء لهوها ولعبها عثرتْ على شيءٍ برّاقٍ, ولكنه لا يحمل شكلًا معينًا, وليس له لون, أو هو لا يستمر على شكل ولون واحد. إنه شيءٌ مجردٌ من كل شيء, ويمكن أن يلتصق به أيّ شيء. شيءٌ فارغٌ في ذاته, أجوف, وغير ممتلئ إلى تلك اللحظة. صعدتْ المعرفة إلى جبل الأشياء, وحين بلغت قمته, رفعت ذلك الشيء البراق بيديها, عاليًا, ملوّحةً به للجميع, ولكنه ما لبث أن انطفأ, وفقد بريقه. ندمت المعرفة على ما فعلتْ, وتمنت لو احتفظت بالحقيقة لنفسها. ولما هبطت من الجبل, ألقته في السفح, ومضت إلى حديقة الأموات, تلهو فيها كعادتها القديمة المتجددة. في المساء هبت ريحٌ عاتيةٌ, وحملتْ ذلك الشيء, ثم قذفت به إلى البحر... وفي البحر مكثت الحقيقة أحقابا زمنية متطاولة, لا يُعرف عددها. في صباح اليوم التالي لتلك الحقب الزمنية البعيدة, ألقى صيادٌ عجوزٌ شبكته في ذلك البحر, وكان أثناء اصطياده للأسماك يتسلى بكتابة القصائد في مخطوطٍ قديمٍ, يتأبطه أينما ذهب. وكلما امتلأ المخطوط بالقصائد, محا ذلك الشاعر العجوز بعض أوراق مخطوطه, وكتب عليها قصائد أخرى جديدة.. علقتْ الحقيقة بشبكة الصياد العجوز أو الشاعر العجوز, فقام بانتشالها من مرقدها الطويل.. لقد تحولت بفعل السنين الطويلة والماء إلى شيءٍ رخوٍ ومتقلبٍ ومنتفخ. أخذ الصياد الشاعر العجوز ذلك الشيء الرخو المتقلب المنتفخ إلى منزله, ثم قام بتقطيعه, وطهيه, وإطعامه لأبنائه الأربعة, الأرض والماء والهواء والنار.