
يا سكني، كثير من هؤلاء الناس الذين نراهم يمضون من حولنا في نهر الحياة، دهستهم الحياة من قبل مرة أو مرات. لكنهم انتفضوا ليواصلوا المسير . فالحياة طيبة برغم كل شيء ، وبرغم أنها في مثل تلك الحالات تغدو مثقلة بذكري اللحظات الأليمة .. تغدو مفعمة بالشجن.. والشجن حزن جليل. والجلال أعلي مراتب الفتنة..يا سكني... "لايعرف احد انه يتسلل بين الحين والحين الى تلك الشرفة ليخبئ فيها قارورة عطر صغيرة مما يستطيع استخلاصة, يخفيها وراء ظهر الميكروويف ويتركها مفتوحة, لعل روحا هائمة من ارواح المغدورين الكثر فى هذا العالم تجئ ... وتنهل مما يتاح لها من اريج" ــــــــــــــــــــــــــــ كتب صلاح فضل عن المجموعة القصصية بجريدة الاهرام هو مبدع دقيق وباهرتوهمت يوم ان قرات له منذ قرابه عقدين من الزمان مجموعته القصصيه' الموت يضحك' انه يعيد سيره يوسف ادريس في هجر الطب وعشق القصه الغاويه لكنه لم يلبث ان وقع في غوايه انكي وافدح ترك مصر وطار علي اجنحه مجله العربي الكويتيه الي مختلف بقاع المعموره شرقا و غربا وعندما انتثر عطره في الصحافه المصوره الانيقه ونجا من تراب القاهره الرمادي خشيت ان يضيع اسمه من ذاكره قرائها المولعين بالنسيان بحيث لا يصبح مرشحا لملء فراغ العبقري الجامح الذي كثيرا ما صرخ دفاعا عن الحريه والثقافه حتي لكان يوسف ادريس قد ارتحل معه مره اخري لكن في اعاره عربيه! غير اني اصطدمت بمجموعته الاخيره' اوتار الماء' فنبهتني الي حقيقه بديهيه وان كانت مدهشه لا يمكن للتجارب العظمي ان تتكرر ولا للشخصيات الفذه ان تستنسخ فلكل زمان مبدعوه وقاماته ولا تجوز المقارنات المبنيه علي مشابه سطحيه خاصه ابان فوره التحولات التي شملت كل شئ. لقد اختمرت تجارب محمد المخزنجي الفنيه في مواطن ثقافيه عربيه وعالميه مغايره لمن قبله وعثر علي ايقاعاته المميزه وهو يعزف علي الوتر الانساني بكل عذوبته وصفائه وما جعله يحقق درجه عاليه من شعريه السرد ليس شبهه بيوسف ادريس بل اختلافه الجذري عنه فلم تعد حروب الايديولوجيا هي منطلق كتابه اليوم ولا مناوشه السلطه والاحتماء بها تاره والتربص بها تاره اخري هي ما يصنع قامات المبدعين الكبارانقضي عهد السرديات الجماعيه الكبري في تاريخ الثقافه ودخلت الي منطقه الفولكلور واصبح علي كل فنان ان يصنع عالمه ورويته ويبتكر منظوره للحياه وتصوره للمستقبل بمعزل عما يريده الاخرون منه. كثيرا ما اجدني عند قراءه مجموعه قصصيه مدفوعا الي التماس الخطوط الواصله بينها متمنيا اندماجها في نسيج روائي متعدد الشرائح لان كل قطعه منها لا تشبع احساس القارئ باستدارتها واكتمالها واستقلالها عما يحف بها من اجزاء عندئذ يدرك ان صاحبها لا يمتلك موهبه الخراط المحترف ولا يعرف كيف يكور مخلوقاته التامه بنعومه كافيه. لان سر القصه القصيره انها تولد مكتمله كالطفله التي لا تحتاج الي مزيد من الاعضاء لا يمكن مطها او اختزالها او ادماجها في مخلوق اخر. قليل جدا من كتاب السرد من يحقق هذا الشرط الجمالي الموسس للقصه القصيره ومنهم كاتبنا الموهوب. فمجموعه' اوتار الماء' تضم عشر قطع. لا تتداخل ولا تتخارج كانها مجره فلكيه من النجوم الصغيره المتناغمه لكل منها تجربته وتقنياته ودلالته. ربما كانت مفارقه الربط بين الاطراف المتباعده هي التي تعطي مسحه رهيفه من الاتساق علي منظومتها الكليه او كان البحث عن الظواهر اللامرئيه وشغف السوال عن السر الكامن خلف الخوارق هو التيار الدافئ الذي يجعلها ذات حراره حميمه متقاربه لكن كلا منها يظل ثمره شهيه لها نكهتها الخاصه تبث في روحك شعورا بالاكتمال بعد قراءتها يدعوك الي التريث في مطالعه غيرها حتي تستجمع قدرتك علي بدايه شئ جديد. ولناخذ مثالا علي ذلك قصته الاولي' تلك الحياه الفاتنه' التي يخاطب فيها الراوي قرينته بعد رويته لحادثه صغيره دهست فيها السياره قطه فراها مكومه تحت العجل وراها في اللحظه ذاتها تفر ناجيه يقول' اعرف يا سكني ان احدا لن يصدقني مثلك واعرف ان تصديقك لي ليس مماشاه مجنون تحبينه لكنه تصديق شريكك في الايمان بان الكون من حولنا ملئ بالمدهشات التي لم نعرف قوانينها فنسميها معجزات او خوارق واعرف انك طيبه الي درجه الفرح بكل معجزه شجيه لهذا لن اخون طيبتك تلك وسابسط بين يديك بامانه تفسيري لتلك الرويه التي تكشفت لي وانا في الطريق اليك بعد نجاتك من الموت مرتين مره من النزيف الداخلي ومره من الجراحه الكبري التي استاصلوا فيها جزءا من داخلك.. بقوانين عالمنا المحسوس يا سكني اندفعت القطه فدهستها عجلات السياره لكن بحسابات الروح وبما كانت فيه من فرح اللعب ثم في مواجهه المباغته الخئون للخطر الداهم قفزت قفزه الحياه في وجه الموت فنجت.'ويربط الفنان هذه الرويه المزدوجه للزمن وللاشياء بما يراه في نهر الشارع من اناس دهستهم الحياه مرتين لكنهم انتفضوا كي يواصلوا المسير مما يقدم لمحه بارقه من حكمه سيروره الوجود في ظل هذه اللحظه الكاشفه واذا كانت هذه دلاله القصه فان مشهدها الوصفي وسطورها التحليليه وما تعبق به من عطر المشاعر وحركه الالتفاتات وحيويه المواقف تجعل لقراءتها متعه لا تغني عنها هذه الفقرات المفصوله عن سياقها الدافق. حقيبه بلون الشفق في هذه القصه الاخري يطلعنا المخزنجي علي بعض اسراره الابداعيه عندما توقف في متحف' تشيخوف' بروسيا امام' خزانه نحيله من خشب البلوط لها واجهه كامله من البللور الصافي وما ان نظرت الي الرف الاوسط حتي.. انذهلت. تسمرت امام الخزانه التي كان يستعملها تشيخوف لحفظ ادواته الطبيه محدقا جاحظ العينين.. كانت حقيبه صفراء برتقاليه حقيبه من جلد الغزال يا محمد تماما تشبه الحقيبه التي حلمت بها منذ ثلاثين سنه وكانت سببا لصدام جنوني مع امي المسكينه وسببا لاكتشاف لعله هو الذي مازال يبقيني علي قيد الحياه. ان هذه التزامنات هذه التوافقات الغامضه بين اشياء متباعده هذه التجليات تذهب بلبي'نلاحظ اولا تطابق الراوي مع شخصيه القاص في الاسم والمهنه والمشاعر والهموم الشخصيه والمهنيه مما يضاعف من...