
شاهدتُ مقطع فيديو تم تصويره داخل إحدى المواصلات العامة في دولة أوروبية، يوثّق جدالًا عابرًا بين سيدتين؛ إحداهما ترتدي الحجاب والعباءة، والأخرى ترتدي لباسًا قصيرًا لا يكاد يستر إلا القليل. وفي ثنايا الجدال المُحتَدم وجّهت الثانية للأولى عبارةً لافتة، فقالت : «البسي مثل الناس أولًا، ثم تكلمي!»، قبل أن يتدخّل بعض الركّاب وينتهي المقطع. استوقفتني تلك الجملة بعد المشاهدة: «البسي مثل الناس»؛ فهي تدلّ على أن قائلتها تتحدّث من موقع شعور بالانتماء إلى النمط المقبول، وأن المخاطَبة بها هي الخارجة عن «المألوف». وهذا ما يدعو إلى التأمّل في هذا التحوّل العميق في المعايير: كيف غدا هذا التصوّر للهيئة الإنسانية هو السائد، حتى بات الكشف أقرب إلى «الطبيعي»، والسَّتر أبعد عنه؟ وكيف ارتبط القبول الاجتماعي عالميًا بالكشف أكثر من الستر؟ وما دامت مسألة اللباس - في ظاهرها - شأنًا شخصيًّا، واختلافًا مشروعًا في الأذواق والثقافات، فلماذا لا يُنظر إلى لباس المرأة المحجّبة – إذن - بوصفه تعبيرًا عن إنسانيتها وخيارها الواعي؟ لماذا تظل «قضية الحجاب» مثار جدل محتدم، حتى في المجتمعات التي ترفع شعار الحرية الفردية وحق الإنسان في التصرّف بجسده؟ وإذا وسّعنا زاوية النظر قليلًا، وتأمّلنا تاريخ تطوّر اللباس في الحضارة الأوروبية – التي تُقدَّم غالبًا بوصفها نموذجًا للمدنية والتقدّم – وجدنا أن النمط الغالب حتى عصور التنوير كان يقوم على الستر للنساء والرجال معًا، ثم بدأ الجسد ينكشف تدريجيًّا. فبأي معيار يُوصَف هذا التحوّل بأنه دلالة تطوّر وليس تحوّلًا ثقافيًا له دوافعه وسياقه الخاص؟ وعلى مستوى أعمق، يبرز سؤال جوهري: ما الأصل في الإنسان، العري أم الستر؟ وهل يُقصد بالعري الحالة التي يُولد عليها الإنسان، أم الميل الفِطري، أم الميل الذي قد يتشكّل لديه مع الزمن؟ ولماذا جرى تصوير العري بوصفه رمزًا للتحرّر، بينما الستر مرادف للقيد والكبت؟وإذا جرى تصوير العري بوصفه رمزًا للتحرّر، فهل يعني ذلك أن الستر مرادف للقيد والكبت؟ ومن هنا يتفرّع تساؤل آخر: لماذا جاء الإسلام بضوابط لهيئة اللباس وتقييد لخياراته؟ ولماذا وقع العبء الأكبر من هذه الضوابط على النساء، مع ما فُطِرن عليه من حبّ التجمّل والتزيّن؟ وإذا كان الجسد ساحة هذا الجدل كلّه، فأيُّ جمال يُراد له؟ وهل الجمال قيمة قائمة في ذات الجسد، أم معنى يتشكّل في نظرة الإنسان إليه، وفي السياق الذي يُقدَّم فيه؟ لإرواء الفضول الذي تثيره هذه التساؤلات وغيرها، كان هذا الكتاب: رحلةً تأمليّة في فلسفة الجسد، ومنطق العري والستر، وحدود الحرية، ومعاني الجمال، كما يصوغها التصوّر الإسلامي، في مقابل تصوّرات أخرى.