
"بدأ كلّ شيء في تلك الليلة... غاب القمر واشتدّت الريح فبغت السماء وأرعدت. انفرد بي الصندوق المتداعي في خلوة العجوز غير السرّيّة، فراحت الأوراق تبوح بمكنونها، بدا الأمر مثيرًا للفضول، مغمّسًا بمتعة مجهولة، ربّما هي مزيج من لذّة الاستكشاف وشهوة التقصّي، والرغبة في تغيير خرائط العقل وطرد المؤرقات. سار الأمر بنسق هادئ حتّى تسرّبتْ الأصوات المجهولة المصدر إلى الخطابات. بعد فتح أغلب الأظرف رحتُ أصغي في ما بين النوم واليقظة إلى مقاطع واعترافات تأتي بنبرات متباينة لأصوات لا محلّ لها في ذاكرتي. ظننتُ في بادئ الأمر أنّها استرجاع لما حوته الأوراق التي أواظب على فضّ سرّيّتها كلّ ليلة؛ حتّى أصْبحتُ ذات ضحى -وقد منحني الأرق عينين محتجزتين بين هالات سوداء- متيقّنًا أنّ الأصوات التي تقضّ مضجعي منذ ليالٍ لم تكن استرجاعًا لما باحت به الأوراق المنسيّة. هرعتُ إلى الصندوق ورحتُ أفتّش الخطابات باحثًا عمّا يقتحم المسامع، فلم أجد لها أثرًا، تأكّدتُ حينئذ أنّني أتلقّى وحيًا لفظته السماء وعلق في طيّات الزمن. كانت الجدران تبوح بما أنهكها كتمانه" بالتزامن مع تفجر مظاهرات 2011 في القاهرة، يعود شاب مصري إلى القاهرة قادمًا من طرابلس، عاقدًا العزم على البدء في الإجراءات اللازمة لتغيير اسمه الذي وُلد به. يستأجر الشاب العائد شقة سكنتها من قبله أسرة مصرية انقطعت أخبارها في بغداد منذ ثلاثين سنة، وقد ذابت آثارها بين الخرائط وفوق عتبات المطارات. صاحب البيت، وهو عجوز غامض، يشترط على الشاب أن يبحث عن الأسرة الغائبة مقابل السكن في شقتهم التي لم يؤجرها منذ رحيلهم، دون دفع إيجار. بمرور الصفحات تتداخل الأصوات ما بين الحقيقي والمتصور، ينخرط الشاب في قراءة صندوق خطابات يلخص الكثير من حكاية هذه الأسرة، تناديه أصداء الخطابات التي ضلت مقصودها، والخطابات التي لم تكتب، تتداخل التواريخ والسير والمصائر، تتقاطع المسارات بين الشاب الهارب من ماض محبط، مع حكايات الأسرة الغائبة، وجارة خمسينية ودود، والعجوز صاحب الدار، الذي يراقب ما يجري عن كثب. تطرح الفصول المتعاقبة سؤالًا مفصليًا: هل ثمة علاقة تجمع بين الشاب والأسرة الغائبة، وصاحب الدار؟ هل كان توجه الشاب لاستئجار هذه الشقة بالذات محض مصادفة، أم أنه قصدها عمدًا مدفوعًا بسرٍ يخفيه؟ تتشابك الاكتشافات التي يلملمها الشاب من الأظرف والرسائل والمقتنيات مع اندلاع المظاهرات، فيبحر فوق الأسطر بين القاهرة وبغداد وطرابلس، وتتشابه ملامح الغائبين عن الجدران مع المقيم بينها، ليقف الشاب في نهاية الأحداث أمام مفترق طرق، بين قرارين، وهويتين، وحياتين مختلفتين في انتظار قراره الأخير. تناقش الرواية تأثر الهوية المصرية بمواسم الهجرة الجماعية في سبعينيات القرن الماضي، وتشتت المثقفين ومطاردتهم، في إطار حكي يتسع حتى يشمل حكايات القهر في شتى أوطان العرب.
Author

عن المؤلف محمد سمير ندا، مصريّ الجنسية، ولد في مدينة بغداد عام ١٩٧٨، وقضى سنوات الطفولة الأولى في بلاد الرافدين، لتتشكّل طفولته على إيقاعات الحرب العراقيّة الإيرانيّة. عادت أسرته لتستقرّ في مصر في القترة بين عاميّ ١٩٨٤ و١٩٩٠. عقب ذلك شدّ والديه الرحال مجدّدًا، غربًا هذه المرّة، ليقضي مرحلة صباه في طرابلس-ليبيا، حتّى عادت أسرته لتستقرّ في مصر مجدّدًا عام ١٩٩٦. تخرّج في كليّة التجارة، وعمل محاسبًا في المجال السياحي، حتّى استقرّ به الحال في منصب ماليّ وإداريّ في إحدى الشركات العاملة في مجال السياحة والمطاعم. له أخّين هو الأوسط بينهما. متزوّج منذ عام ٢٠٠٨، ولديه ولدين. والده هو سمير ندا (١٩٣٨-٢٠١٣)، الأديب المصري المتفرّد الذي لمع نجمه في ستينيّات القرن الماضي، وقدّم للأدب المصري قامات أدبية شابة آنذاك؛ مثل جمال الغيطاني ويوسف القعيد وغيرهما. كما قدم عدّة أعمال روائيّة وقصصيّة ومسرحيّة متميّزة، علاوة على فيلمين تسجيليّين عن حرب الاستنزاف. اصطدم مشروعه الأدبي والفني بالتضييق الأمنيّ والسياسيّ في الستينيّات والسبعينيّات نتيجة دفاعه عن حرية الفكر، ومعارضته للأنظمة الحاكمة. كانت هجرته الأولى من مصر عام ١٩٧٤ إلى المملكة العربيّة السعوديّة، ثم توالت الهجرات إلى العراق، وليبيا، مرورًا بمحطّات عربيّة أخرى قصيرة. أحدث طفرة صحفيّة في جريدة "عكاظ" ومجلة "اقرأ" السعوديّتين في السبعينيّات، وعمل في إذاعة "صوت سوريا" في العراق وكتب في مجلة ألف باء العراقيّة. اختتم حياته المهنيّة كمستشار إعلاميّ للسفارة السعوديّة في ليبيا. تخرّجت والدته في كلية الآداب - قسم اجتماع وعلم نفس، والتحقت بالعمل في وزارة الثقافة المصريّة، وتدرّجت وظيفيًا حتى تبوّأت منصب مدير الإدارة الثقافيّة في قصر ثقافة مدينة بنها، قبل إحالتها للتقاعد فور بلوغها سن المعاش. النشأة في مثل هذا المناخ الثقافي، وتنوّع الثقافات المكتسبة والمعارف الحياتيّة إثر التنقّل بين أكثر من بلد عربي، علاوة على طبيعة عمل الأب، ودوافع تنقّله من وطن إلى آخر، هي الأمور التي شكّلت وجدان المؤلف، لينشأ شغوفًا بالقراءة، مدافعًا عن الحريّات، مهتمًا بكتابة الشعر والأدب. صدرت روايته الأولى "مملكة مليكة" عام 2016، كما صدرت روايته الثانية "بوح الجدران" عن منشورات إيبيدي في مطلع عام 2021 فازت روايته الثالثة "صلاة القلق" في يونيو 2024 عن دار ميسكلياني، وفازت بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لسنة 2025