
يقول عن الرواية ربيع السملالي: هي رواية اجتماعية دارتْ أحداثُها ما بين سنة 1980،إلى سنة 2011م، عن أسرة مصرية تعيش في الإسكندرية تتكوّن من أب وأمّ وولدين وبنت وما جاورهما من زوجات وأحفاد وأصدقاء .. طبعتها الدّار العالمية للنشر والتوزيع بمصر سنة 2018م تقع في 255 صفحة. في صورة غلافها بعض النوارس البيض تحلّق في سماء صافية على شاطئ مهجور، ويظهر كذلك في الصورة إنسان يقف مقطوع الرأس واضعا يديه على حافة باخرة تستعدّ لشقّ عُباب البحر نحو المجهول .. فالقارئ للنّص سيعيش مع باسل بطلِ الرّواية- الذي أحسنتِ الكاتبةُ تقمّصَ شخصيته والسّردَ بلسانه- أجملَ الأوقاتِ، وأبغضَها إلى قلبه المثخن بالحب والدّفء والحيرة والحُزن والقَلَق والجراح التي لا تندمل مع مرور الأيّام وكرور الليالي، سيسعى للاسترسال في القراءة ما وسعه ذلك لتتابع الأحداث، وتراكم الخيبات على قلبه وقلوب من يحبّهم من أهل بيته . إنّها رواية اجتماعية بامتياز، تتحدّث عن الِخذلان والحب وألم الفراق، والغيرة وتعدّد الزوجات،وضياع الشباب في أوطانهم، وعن الصداقة والصديق، وعن هاذم اللّذات ومفرّق الجماعات ومشتّت شمل السعادات، وعن حرب الخليج وما خلّفته من دمار في النّفوس، وعن فلسطين والخونة من أبناء العرب والمسلمين، وعن الطّاغوت الأكبر أمريكا، وعن طقوس الجامعات وأحلام الشباب، وعن المرأة أمّا وأختا وزوجةً وحبيبة وصديقة . وما قيمة الرّواية إن لم يكن فيها حضور المرأة ساطعًا كشمس أبريل الدّافئة، مورقًا كأشجار البرتقال في فصل الرّبيع . إنّها رواية يصدق فيها قول منيف في كتابه ( الكاتب والمنفى ص 42) : تخاطبُ العقلَ والوجدانَ معًا. تتوجّه إلى الإنسان، وبتواضع، لكي تعلّمه وتُحرّضه. إنّها تفعلُ ذلك بالمناخ الذي تَخلُقه، بالحياة التي تعرضها، بالنّماذج التي تُقدّمها، لكي تقولَ باللّمح والإشارة، ما لا تستطيعه الأدوات الأخرى. اهـ وفي الرّواية عناوين جميلة مفهرسة بطريقة مُحببة إلاّ القارئ، تجعله متشوقا إلى قراءتها بحب وشغف، كعنوان : عصفور حقل، الصّدمة، الحبّ، دفء الأخوة، الفرحة، العودة، صمت الحياء، الخفاش، متعة الانتظار، الشهيد..وغير ذلك من هذه العناوين التي قد يعتقدها البعض قصصًا قصيرة، وليست رواية، لأنّنا لم نتعوّد على فهرسة الروايات، كما يفعل الروائي التّشيكي الشهير ميلان كونديرا، وغيره من أرباب هذا الفنّ الجميل. كان العنوان موفّقا شاعريًا ( القلوبُ المُهاجرة) أحسنت الكاتبة في اختياره لتناغمه مع أحداث الرّواية، فالهجرة والهجر والهجران وما شئت من اشتقاقِ هذه اللّفظة المُخيفة كانت حاضرة بقوة منذ الصّفحات الأولى إلى أن أُسْدِلَ الستار عن الدّنيا الغادرة في هذا العالم السّردي الذي حيّر قلمي هل يصفه بــالمؤسف أم الرائع . كانت الخاتمة موفّقة فبعد أن ابتليَ البطل بفقد حبّه الأول ( علياء)، وموت حبّه الثاني ( زوجته لينا) ، جاءت بتلة كهدية من السّماء، كالبلسم الشافي للجراح، لتمسح عن قلبه كل المعاناة في تلك السنوات القاسية والتي تشبه في قسوتها أيام سعيد مهران في رواية (اللّص والكلاب).. حتّى إنّ البطل قال وهو في هذا النّعيم المقيم بعد كل ذلك البؤس : (لو كنت أعلم أنّ هذا الحبّ والرّخاء مُدخّر لي، ما سكبتُ دمعًةً يوما ما) . لكن الأروع من كلّ هذا هو التفات الكاتبة إلى قضايا الأمّة الكبيرة وما تمرّ به من أزمات وصراعات وتطاحن وثورات واستبداد وطغيان وظلم وسفك للدّماء، وتعطيل لشريعة الإسلام، لتسدل الستار على هموم البطل الصغيرة إذا ما قورنت بالأمور العظام، وتجعل آخر فصل بعنوان ( الشتات ) . والمعنى أنّ عالمك صغير جدا أيها الإنسان وسواء أكنت سعيدا أم حزينًا فكلّ هذا لا قيمة له أمام قطرة دم تُسفك بغير حق، ودموع الحزانى من وراء القضبان، لسان الحال والمقال : ( لا تبكني أماه وابك بلوعة دينًا جريحا ما عليه بواكيًا )!