
ليس عالم المحرومين هو القاع المجتمعي لمجتمع الامتيازات، الذي بنى قاعه المجتمعي الخاص بواسطة سلطته، وأقامه على القمع من جهة والنهب من جهة أخرى، وكلاهما من آليات عمل القمع المقلوب، التي لا يجوز أن تتوقف أو تتراخى، لأهميتها في مراقبة مجتمع المحرومين والحصول على موارد كبيرة منه تمول احتواء نخبة ضمن الدولة العميقة. أما السبب في هذه الواقعة، فيعود إلى اختلاف بنية قاعدتي المجتمعين ووظيفتيهما. وإلى أن دولة السلطة العميقة هي التي أنتجت قاعدة مجتمعها الخاص، المركبة جداً، بينما تخلق مجتمع الحرمان كنتيجة لسيطرتها، لكنه كان موجوداً قبلها كمجتمع طبيعي أنتجه التاريخ، ولئن كانت الدولة العميقة قد عملت لفصله عن جذره الطبيعي / التاريخي، فإن استبدادها ذكره دوماً بعموميته، وبهويته المجتمعية الأصلية، وأسهم في دفعه إلى مقاومتها. جدير بالذكر هنا أن مجتمع السلطة، الذي كون قاعدته البشرية من المجتمع الطبيعي، قد فصلها فصلاً تاماً عنه، ليقطع أي تفاعل بينها وبينه، ويتحاشى احتمال انحيازها إليه. ليس عالم المحرومين طرفاً يدور حول مركز، وفق الترسيمة المعروفة، التي تجعله تابعاً تبعية مطلقة له، ومنفصلاً انفصالاً نسبياً عنه، في آن معاً، بل هو طرف ألحق بمركز لديه كل ما هو ضروري لأن يتحكم تحكماً ضبطياً وشاملاً به، أي كل ما يجعل منه عالماً فاعلاً ومسيطراً، ومن عالم المحرومين كتلة باردة، تريدها السلطة معطلة وغائبة عن نفسها وغيرها، ليسهل عليها استهلاكها، جزءاً بعد آخر.