
لاح السراب البعيد المخيم على الأفق متألقاً، كما لوحة مرسومة بجمال رقيق ومسالم، مجللة بصمت بهي، تغزل ألوانها ثم تتحلل إلى لون واحد، بلا لون، غيوم تعبر على مهل زرقة سماء صافية، لوحة تتجاوز بعنفوانها الهادئ، سخف الأسلحة والقنابل واللحى... من الأفق لا منها، يأتيني موتي هانئاً وخفيفاً، يتهادى على أمواج الأثير، يمسني كما العبير، يقيني من بؤسي ويعصمني من ظنوني، آه، لو كان لي قبر في هذا الغبش لا في ذاك التراب. تخيلت موتاً سريعاً دون اعترافات أو طلب للرحمة، بلا شكاوى ولا أنين أو بكاء، لن أسألهم الشفقة بي، سأطلب ذبحي وأنا مغمض العينين، دون رؤية ما حولي، لا العناصر المسلحة الملثمة ولا كاميرا الفيديو، لن أسمع صيحة "الله أكبر" أو أترقب اليد التي ستمتد، وتلتلف من الخلف حول رقبتي، أو أحس بالذعر والنصل الحاد يحز عنقي، وذهب بي التمني إلى ما بعد الموت، لن يشوهوا ملامحي أو يُمثلوا بأعضائي، وأكثرت من التمني، سيتمكن شخص من العثور على جثتي قبل أن تتفسخ، ويُصادق من يتعرف عليها، ويقرأ الفاتحة على روحي، وربما أرسلت للدفن في مقبرة العائلة بدمشق. كان الموت هكذا حلماً مُترفاً ولا أجمل. (من الرواية)