
استغرقت ظاهرة (تدوين المجون) جُل المصنفات التراثية، واستحوذت على قدر كبير من عناية المصنفين، منذ بدء التدوين، على ما في ضروب المجون من الإساءة إلى الوحيين، أو الفحش أو الوقاحة أو البذاء، أو التقحم على تهزيل المعاني الجادة، أو الترويج للسخف، ونحو ذلك؛ ولهذا جاء هذا الكتاب دراسة لتلقي المصنفين لذلك التراث المجوني، و فيه استجلى المؤلف مظاهر (تدوين المجون) في كتبهم، و مواقفهم منه، وفحص الأسباب التي دعت أكثرهم إلى تدوينه و التساهل فيه، و عرض لمذاهبهم في تلقيه، و سبلهم في الاحتجاج له، مستنبطاً بعض الأحكام، مقدما كثيراً مما كشفته المدونة المجونية من دلالات اجتماعية وتاريخية وعلمية وفنية. كيف ساغ لمصنفي كتب التراث –وفيهم الفقيه والمحدث والمفسر، واللغوي والأديب، والإخباري و البلداني و النسابة، و المؤرخ والطبيب- أن يحشوا مصنفاتهم بضروب من المجون الذي يتجاوز القدر المقبول من الإطراف والإحماض، ففيه من الخروج عن الأعراف الخلقية، بله العزائم الشرعية ما يندى له الجبين أحيانا كثيرة، بل إن فيه ما يخرم مروءة المصنف، ويستدعي ستر المكتوب و تمزيقه، حتى إن بعض ناشري كتب التراث في زماننا هذا حذفوا منها مواضع بل فصولاً؛ خجلاً مما فيها، وخشية تحمل إشاعة الفاحشة -على ما عبر بعضهم- وسعياً إلى تنقيح التراث من تلك السوآت التي ناءت به. وكيف توافت أذواق كثير من المصنفين القدماء على تدوين ما يُستقبح من الأخبار، وما يسوء الأسماع من المجون الساقط؟ وهل صدروا في قبول ذلك عن حجج ومذاهب صحيحة في النظر إلى التأليف والتدوين؟ وهل فاؤوا فيه إلى أعراف ثقافية مشتركة؟