
ما هي الأمة؟ وهل يولد الناس أمة؟ أم أنهم يصيرون أمة؟ وهل الأمة مسألة اختيار أم أنها مسألة مقرّرة سلفاً في جيناتنا وجماعاتنا الأصلية؟ لرَبندرانات طاغور (1861–1941)، الشاعر والكاتب الهندي المعروف، رواية بعنوان “غورا”، وتدور أحداثها في ثمانينات القرن التاسع عشر إبان الحكم البريطاني للهند. “غورا”، وهو اسم بطل الرواية، كان فتى أشقراً لكنه كان هندوسياً شديد التدين؛ مخلصاً لمذهبه ومعادياً لكل ما هو إنجليزي؛ كان يؤمن بأن الهند هندوسية، وأن الهندوس يشكّلون الأمة الهندية، وأن هذه الأمة المقدّسة مسألة استحقاق ومقرّرة سلفاً في دم كل هندوسي. غير أن تطور أحداث الرواية، أي “غورا”، يكن ابن رجل أيرلندي وامرأة هندوسية من طبقة “البرهمة”، وأبوه الأيرلندي قُتل في ثورة الهند في العام 1857. هكذا اكتشف “غورا” فجأةً أنه أيرلندي بالولادة، وأن الدم الذي يجري في عروقه دم أيرلندي لا هندي ولا هندوسي. شعر “غورا”، في البداية، بأن الأرض التي يقف عليها قد انهارت، وأنه أصبح جباناً، مهيباً، ومعلّقاً في الهواء. إلا أنه شعر أيضاً، بشيء من الارتياح، كأنه ألقى عن كاهله عبئاً ثقيلاً فصار حراً في أن يكون ما يريده، وكان حياته تبدأ من جديد. حسم طاغور المسألة عندما جعل “غورا” يختار في نهاية الرواية أن يكون إنساناً وطَنيّاً ينتمي إلى كل الهند بملوسها ومسلميها ومسيحييها وخلطة دياناتها، ضارباً عرض الحائط بالدم الأيرلندي الذي يجري في عروقه، وبالأصل الهندوسي المتوهم الذي نشأ عليه.