
مذكرات تحسين قدري (1892-1986) المرافق العسكري للأمير/ الملك فيصل، التي نشرها المؤرخ العراقي سيّار الجميل أولاً في جريدة "الزمان" العراقية خلال 2017، ثم في كتاب مستقل أغناه بالشروح والتعليقات والملاحق صدر بعمّان عن "دار الأهلية" في أواخر 2018. وتجدر الإشارة إلى أن تحسين قدري ولد في بعلبك لأسرة دمشقية معروفة، وتخرج من "المدرسة الحربية" في إسطنبول، وشارك في الحرب العالمية الأولى على جبهة القوقاز (1915)، ثم خدم في حلب والمدينة، والتحق في 1917 بالأمير فيصل الذي كان يقود الجيش الشمالي، ودخل دمشق مع الكوكبة الأولى. وقد تأثر تحسين بأخيه الأكبر أحمد قدري، الذي كان من مؤسسي "جمعية العربية الفتاة" في باريس خلال دراسته الطب، وأصبح الطبيب الخاص للأمير/ الملك فيصل. أما تحسين فقد أصبح المرافق الخاص لفيصل منذ وصوله إلى دمشق ورافقه إلى مؤتمر الصلح في باريس، حيث كان شاهد عيان على كثير من الاتصالات والاجتماعات التي أجراها الأمير/ الملك فيصل. وقد رافقه أيضاً إلى العراق بعد ترشيحه للعرش هناك وبقي مرافقاً له خلال 1921-1931، ثم رئيساً للتشريفات الملكية وسفيراً للعراق في باريس وطهران والقاهرة وبيروت. لكن ما هو متوقع من مذكرات شخصية مهمة كتحسين قدري لا نجده في هذا الكتاب. فالمؤرخ سيّار الجميل يصف ما وجده "مذكرات مقتضبة" اعتنت بفترة طفولته وشبابه وحياته الأولى، ولذلك ترك الاحتمال لوجود مذكرات أو يوميات أخرى له (ص 23). ولكن مع إمعان النظر في القسم الأخير من المذكرات، الذي يتعلق بالحكومة العربية في دمشق 1918-1920، تظهر لدينا الكثير من العناوين الجانبية التي دوّنها ليكمل ما يتعلق بها مما يدل على أن هذه المذكرات غير مكتملة. وهكذا على سبيل المثال نجد ما يلي: معاهدة سايكس- بيكو، قضية لبنان وفلسطين، عهود الإنكليز إلى الملك حسين، حب لورنس للعرب، ما هي الدوافع التي أدت إلى عدم صراحة لورنس في قضية فلسطين مع الأمير فيصل؟ الأسباب التي أدّت إلى واقعة ميسلون، هجوم غورو على دمشق، عدم كفاءة الاستخبارات العسكرية والحكومة السورية. ويؤكد ذلك قوله بعد ذكرها "فهذه كلها نقاط أساسية تاريخية يجب أن أبدي رأيي فيها، وما أعلم إذا كان رأيي مصيباً أم لا؟ فهذا التاريخ والمستقبل يكشف عنه الستار" (ص 175). ومع ذلك، إن ما هو موجود في المذكرات، التي توقفت فجأة عند وصول "لجنة كينغ- كرين" الأميركية إلى دمشق في صيف 1919، يتضمن بعض التفاصيل الدقيقة التي يبثها أو يوثقها تحسين قدري من موقعه مرافقاً خاصاً للأمير/ الملك فيصل، وربما ينفرد في معظمها، سواء في ما يتعلق بنفسه أو بالأمير/ الملك فيصل. " يتوقف الكتاب عند قدوم لجنة كينغ- كرين إلى دمشق صيف 1919" من ذلك لدينا وصفه دخول دمشق صباح 1 تشرين الأول/ أكتوبر مع الكوكبة الأولى للجيش العربي، حيث لدينا ما يعبّر عن مشاعر هذا الجيل الذي التف حول الأمير/ الملك فيصل، وبقي مخلصاً للهدف البعيد الذي نذر أفراده أنفسهم له. في لحظة دخوله دمشق من جهة الجنوب نجد في المذكرات ما يلي: "دخلنا دمشق وكنت راكبا حصاني وبجواري جميل المدفعي (ضابط مدفعية ومستشار لاحق للأمير فيصل في سورية ثم وزير ورئيس وزراء في العراق)، وكنا نتحدث عن الثورة العربية وعن نشوة النصر وعن الآمال لاستقلال البلاد العربية والوحدة العربية... كنت أحلم بهذا الحدث التاريخي قبل حصوله وسادني شعور غامر بالوطنية والقومية العربية. كنت أعمل ليل نهار في سبيل إنجاح هذا الحدث. زمن أول يوم لدخول الأمير فيصل دمشق (3 /10/1918) باشرتُ وظيفتي كمرافق خاص وعسكري للأمير" (ص 171). ولكن بعد العناوين المذكورة، التي لم يدوّن تحتها ما كان يودّ أن يقوله، يقفز فوراً إلى مرافقته للأمير فيصل إلى باريس للمشاركة في مؤتمر الصلح في 1919، حيث يوضح هنا بعض الأمور التي شاهدها أو عايشها برفقة الأمير فيصل وتعليقاته على مساعيه هناك في سبيل القضية العربية. من ذلك مثلاً تصرّف الفرنسيين مع الأمير فيصل لإغرائه بالحياة الباريسية "كما كانوا يعملون مع باي تونس". وهكذا فهو يروي كيف أن الجانب الفرنسي دعاه إلى حفلة راقصة في بلدية باريس، وكان مع الأمير فيصل وزير الخارجية المسيو غو، حيث جاءت الراقصات بعد انتهاء رقصة الباليه إلى الطاولة التي يجلس عليها الأمير فيصل للترحيب به ومجالسته. ولكن الأمير نهَر تحسين قدري وقال له "هيا لنخرج ونذهب من هنا! هل الفرنسيون يفكرون أنني جئت إلى هنا للتمتع بالراقصات والوَنْسة؟ لا، إنهم يغلطون في ذلك". وكما يضيف تحسين قدري فقد كان الأمير فيصل منفعلاً و"ترك الحفل غاضباً، وقد بهت جميع الحاضرين عندما غادر الأمير الحفل" (ص 178). كان هناك ما يشغل الأمير فيصل بالفعل: "كان الأمير كثير الاهتمام في نجاح الثورة العربية، وسماع أول صوت للثورة والأمة العربية في طلب استقلالها. وكان يطلب بإلحاح من الملك حسين أن يزيده من الإيضاح ويرسل له جميع مخابراته مع الإنكليز" (ص 178). كانت مشكلة الأمير فيصل التي تسبّب له الحرج أنه كان يسمع شيئاً من والده عن "العهود المكتوبة مع الحلفاء"، ولكنه يسمع الآن من الحلفاء غير ذلك. ومن هنا "قرّر فيصل الذهاب إلى لندن للاتصال بالبريطانيين وأخذ الوثائق التي كانت معقودة بينهم وبين أبيه الملك حسين"، ولكنهم "كانوا يماطلون بها ولم يجيبوه على مطالبه سوى بالمماطلة" (ص 179-180). في هذه الحالة، التي لم يصل فيها إلى شيء مع فرنسا وبريطانيا، "لم يرد أن يضيع الفرصة في إيجاد دولة عربية كأساس لاستقلال جميع البلاد العربية في المستقبل" واتصل بالرئيس الأميركي ولسن وزير الخارجية تشارلز هيوز "وكانوا فعلاً يساعدونه على هذه السياسة"، و"لكن السياسة الفرنسية والإنكليزية كانت تطغى على السياسة الأميركية، ومع ذلك تقرّر إرسال هيئة استفتاء دولية إلى سورية" (181-182 و 186). أما المسألة التي أثارت الآراء المختلفة حول الأمير فيصل في باريس فكانت اتصال زعماء الصهيونية (وايزمن وسوكولوف) به وتوصل الطرفين إلى ما يسمى "اتفاقية فيصل – وايزمان" كانون الثاني / يناير 1919. وحول هذا يقول ...