العقل الساخر يسخر من نفسه أولا، من قدراته و" قوته ". لا يعني ذلك أنه عقل مستهتر لا يعبأ بشيء، أو أنه ميال نحو السهولة و اللهو. إنه على العكس من ذلك عقل مأساوي، وهو دوما مأساة ساخرة وسخرية مأساوية. فليست فضيلته أساسا تمييز الصواب من الخطأ، و إنما أن يبين، كل مرة، أن الثنائيات المعهودة في مجال المنطق والأخلاق ليست بالتمايز والصرامة المزعومة، وأن بينها دائما قيما تتوسطها. هو إذن عقل المفارقات. إنه يضع نفسه فيما " وراء الصواب والخطأ"، ولكن أيضا فيما" وراء الخير والشر". لذلك فهو يحتال بشتى الطرق كي يوقع العقول الجدية في ارتباك وينزع عنها وقارها، ويفقدها ثقتها بنفسها، ويخرجها عن" صوابها".