
النيل والفرات: هذا كتاب جميل تترك قراءته في النفس أثراً طيباً للغاية. قد يستغرب القارئ في البداية أن يجد المؤلفين الذين ترجمت بعض أعمالهم في هذا الكتاب ينتمون إلى ميادين مختلفة جدا الاختلاف، فمنهم المناضل السياسي، وعالم اللغويات الشهير، والمصلح الاجتماعي، والمؤرخ، ورئيس جمهورية سابق، وعلماء أفذاذ، وروائية، ومغن شعبي، وشاعرة. فما الذي يمكن أن يجمع بين هؤلاء جميعاً؟َ! وهل هناك من القضايا ما يمكن أن يكون هماً مشتركاً لهم؟ ثم ما الذي يدفع كاتباً عربياً أن يترجم كتابات لهؤلاء جميعاً ويجمعها في كتاب واحد؟! على أن استغراب القارئ لن يطول، إذ بمجرد أن يقرأ فصلين أو ثلاثة سيدرك أن شيئاً مهماً يجمع بين أغلب فصول الكتاب، وأن هذا الشيء هو الذي يجعل الكتاب جميلاً، ويجعله يترك هذا الأثر الطيب في النفس. من الممكن التعبير عن هذا الشيء المهم والمشترك بين أغلب فصول الكتاب بتعبيرات مختلفة، ولكن مقدم هذا الكتاب "جلال أمين" اختار تعبير "النظرة إلى السياسة كأخلاق". وهو يقول "لقد تعودنا أن ننظر إلى السياسة على أنها وسيلة الوصول إلى هدف، بصرف النظر عن الطبيعة الأخلاقية لهذا الهدف. والسياسة كثيراً ما تعرف بأنها "فن الممكن"، ووصف عمل ما بأنه "ممكن" أو "غير ممكن" لا يفترض شيئاً يتعلق بأخلاقيته أو عدم أخلاقيته. والسياسة كثيراً ما تفهم أيضاً على أنها ممارسة القوة، والقوة بدورها قد تستخدم لتحقيق هدف أخلاقي أو غير أخلاقي. لهذا السبب نجد أننا عندما نصادف شخصاً أو مؤسسة أو حكومة تتعامل مع قضية سياسية وكأنها قضية أخلاقية، فتخضع العمل السياسي لمعايير أخلاقية، نستغرب هذا عادة أشد الاستغراب، وإن كنا على الأرجح نشعر أيضاً بالإعجاب والتقدير، ونتمنى لهذا الشخص أو لهذه المؤسسة أو الحكومة النجاح في هذه المهمة الصعبة، وهذا العمل البطولي وغير المألوف، وأقصد بهذا العمل البطولي وغير المألوف "ممارسة السياسة كأخلاق". إن ممارسة السياسة كأخلاق ليست فقط عملاً غير مألوف، بل ما أكثر ما نصادف عكسه بالضبط، أي "ممارسة الأخلاق كسياسة". فما أكثر ما يستعمل السياسيون شعارات أخلاقية لتبرير أعمال سياسية هي أبعد ما تكون عن المبادئ الأخلاقية المستقرة، فيتكلمون مثلاً عن حقوق الإنسان لتبرير انتهاكها، وعن السلام لتبرير الحرب، وعن العدل لتبرير الظلم، وعن المساواة لتبرير القهر. فإذا كان الأمر كذلك، فكيف لا نشعر بالتقدير والإعجاب العميقين، بل والرهبة والخشوع أحياناً، إزاء رجال ونساء تصدوا للقضايا السياسية وكأنها قضايا أخلاقية، تصلح لأحكام الضمير الإنساني، وحكموا على الأعمال والإجراءات السياسية وفقاً لاتفاقها أو اختلافها وما يقضي به الحس الأخلاقي السليم". هكذا يطلع القارئ الفصل بعد الآخر من هذا الكتاب، فيصادف -المرة تلو المرة- التعامل مع السياسة كأخلاق. يصادفه عند مالكوم إكس عندما يكرس عمله السياسي لمكافحة التمييز العنصري، وعند نعوم تشومسكي عندما يكرس نشاطه لفضح أكاذيب السياسة الخارجية الأمريكية، وعند رالف نادر عندما يجعل قضيته السياسية تحرير المستهلك من خداع الشركات الكبرى، وعند هوارد زن عندما يكشف حقيقة الحرب، وعند فاتسلاف هافيل (وهو الأديب والكاتب المسرحي) عندما يجرب حظه كرئيس جمهورية ولكنه يحذرنا في النهاية من الظن بأنه من الممكن للعالم "عندما يحكمه الشعراء أن يتحول إلى قصيدة!"، وعندما يرفض آينشتين العرض المقدم إليه في 1952 بأن يصبح رئيساً لجمهورية إسرائيل، وكان قبل ذلك قد أرسل رسالة إلى حاييم وإيزمان الذي كان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية قال فيها: "إذا لم ننجح في الوصول إلى طريق للتعاون الصادق والاتفاق مع العرب، فكأننا لم نتعلم شيئاً من محنتنا التي استمرت ألفي سنة، وسوف نستحق المصير الذي سنصل إليه". وهذا كلام في الأخلاق قبل أن يكون كلاماً في السياسة، أو كلام يحاول به آينشتين أن يحول السياسة إلى أخلاق. عندما تقرأ بعد هذا كله، في الفصل الأخير من الكتاب، قصيدة /مقالة بالغة الجمال، ومترجمة ترجمة جميلة، لكاتبة أمريكية قضت في المملكة العربية السعودية خمس سنوات، فوقعت في حبها، وكتبت هذه القصيدة /المقالة لتصف بعض ما أحبته في نمط الحياة في السعودية: "أحببت الأمان، خاصة بالنسبة لأطفالي.. الذين لم أكن بحاجة إلى تعليمهم عدم الحديث مع الغرباء ورفض الحلوى والهدايا منهم. أحببت أن أخرج من غير إغلاق منزلي بالقفل، وترك محفظتي في عربة التسوق والذهاب إلى آخر السوبر ماركت لإحضار الحليب الذي نسيته (...) أحببت الصبر اللامتناهي لأصحاب محلات الذهب، حين تقوم ابنتي ذات الثلاثة عشر عاماً بإضاعة أوقاتهم وهي تساومهم لشراء حيلة بمبلغ من مدخراتها. رأيتهم يقدرون جرأتها حين تشتري منهم بسعر أقل من سعر الذهب في الأسواق العالمية!". عندما تقرأ هذه القصيدة/ المقالة في نهاية الكتاب يخالجك الشعور بأن الكتاب قد أدى مهمته، إذ تتسق هذه القصيدة/المقالة وما انطوت عليه معظم الفصول من مشاعر: امرأة أمريكية نبيلة المشاعر، تتجاوز كل أكاذيب السياسة وادعاءاتها وتصل إلى لب القصيدة، وهو أن المشاعر الإنسانية الحقيقية هي في نهاية الأمر واحدة، وأن ما يجمع بين الناس من تعاطف يستند إلى حاجتنا جميعاً إلى التواد والتراحم، وهو أثمن بكثير من مغنم التسلط وفرض الإرادة على الآخرين قهراً وظلماً، وهو أيضاً أبقى في الزمن.
Authors

Malcolm X (born Malcolm Little), also known as El-Hajj Malik El-Shabazz, was an American Black Muslim minister and a spokesman for the Nation of Islam. After leaving the Nation of Islam in 1964, he made the pilgrimage, the Hajj, to Mecca and became a Sunni Muslim. He also founded the Muslim Mosque, Inc. and the Organization of Afro-American Unity. Less than a year later, he was assassinated in Washington Heights on the first day of National Brotherhood Week. Historian Robin D.G. Kelley wrote, "Malcolm X has been called many things: Pan-Africanist, father of Black Power, religious fanatic, closet conservative, incipient socialist, and a menace to society. The meaning of his public life—his politics and ideology—is contested in part because his entire body of work consists of a few dozen speeches and a collaborative autobiography whose veracity is challenged. Malcolm has become a sort of tabula rasa, or blank slate, on which people of different positions can write their own interpretations of his politics and legacy.

يعد من أشهر المناضلين السود في الولايات المتحدة وهو من الشخصيات الأمريكية المسلمة البارزة في منتصف القرن الماضي، والتي أثارت حياته القصيرة جدلاً لم ينته حول الدين والعنصرية، حتى أطلق عليه "أشد السود غضباً في أمريكا". وهو مؤسس كل من المسجد الإسلامي ومنظمة الوحدة الأفريقية الأمريكية. كما أن حياته كانت سلسلة من التحولات حيث انتقل من قاع الجريمة والانحدار إلى تطرف الأفكار العنصرية، ثم إلى الاعتدال والإسلام، وبات من أهم شخصيات حركة أمة الإسلام قبل أن يتركها ويتحول إلى الإسلام السني، وعندها كتبت نهايته بست عشرة رصاصة في حادثة اغتياله. كان لمالكوم إكس الفضل الكبير بعد الله في نشر الدين الإسلامي بين الأمريكيين السود، في الوقت الذي كان السود في أمريكا يعانون بشدة من التميز العنصري بينهم وبين البيض، فكانوا يتعرضون لأنواع الذل والمهانة ويقاسون ويلات العذاب وصنوف الكراهية منهم. فقد حفظ الله دعوة الإسلام ببلد متسع الأرجاء كثيف السكان مثل أمريكا وصحح مالكوم إكس مسار الحركة الإسلامية التي انحرفت بقوة عن الحق ودعا إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، وصبر على الصدود والإعراض والإيذاء حتى كانت نهايته كما تمنى شهيد كلماته ودعوته للحق. ولد مالكوم إكس أو مالك شباز بمدينة ديترويت لعائلة كبيرة وعائل فقير لم يلبث أن قتل للعنصرية على يد عصابة من البيض فنشأ مالكوم في هذه البيئة القائمة فشحن الفتى من صغره كرهًا وبغضًا على البيض وكل ما هو أبيض وطرد مالكوم من مدرسته وهو في السادة عشر من عمره فانتقل من مدينته إلى نيويورك حيث عاش حياة الفاسد والجريمة التي انتهت به إلى السجن وكان دخوله السجن نقطة تحول في حياته. حيث التقى في السجن بزميل له حثه على التفكير والقراءة فأثر في مالكوم بشدة وفي تلك الأثناء جاءته رسالة من أخيه يدعوه للدخول في الإسلام والانضمام لجماعة أمة الإسلام فأعلن مالكوم دخوله في الإسلام. وأقبل على قراءة الكتب خاصة التاريخية والاجتماعية حتى أنه كان يقضي خمس عشر ساعة متصلة في القراءة حتى أتى على كتب كبار لم يتوفر لغيره قراءتها وحصل كمًا جيدًا من المعلومات، ودخل في مناظرات في السجن مع القساوسة والنصارى أكسبته جلدًا وحنكة وخبرة في مخاطبة الناس وإقناعهم. بعد أن خرج مالك من السجن قابل إليجا محمد زعيم حركة أمة الإسلام الذي توسم فيه الثورية والكره الشديد للبيض والقدرة الإقناعية العالية فضمه إلى مجلس إدارة الحركة وجعله وزيرًا - أي إمامًا - لمعبد في بنيويورك فأبدى مالك كفاءة هائلة في الدعوة للحركة ومخاطبة الناس وزار الجامعات والحدائق والسجون، وأماكن التجمعات لدعوة الناس للإسلام، وأثر بحلاوة كلامه في الكثيرين فأسلموا على يديه، ومن هؤلاء الملاكم العالمي محمد علي كلاي، وفتحت له قنوات التلفاز أبوابها يعقد المناظرات على الهواء ويدعو لحركته. كل هذا بسبب التحول الهائل الذي حصل له في السجن، والذي بسببه أصبح مالكوم اكس إلى الحاج مالك الشهباز، ويكون أكثر الأمريكيين السود تأثيرا، يمتد تأثيره إلى اشخاص مثل محمد علي كلاي، يقود الثورة السوداء ضد العنصرية البيضاء، وهو صاحب المقولة الصوت أو الرصاصة لكن في النهاية أتته رصاصة غادرة وضعت حدا لحياة حافلة بالاحداث والمواجهات, مات مالكوم اكس على يد الشخص الذي انتشله من عالم الانحطاط إلى العظمة. ففي إحدى خطبه التي كان يقيمها للدعوة إلى الله أبى الطغاة إلا أن يخرسوا صوت الحق فقد اغتالته أيديهم وهو واقف على المنصة يخطب بالناس عندما انطلقت ست عشرة رصاصة غادرة نحو جسده النحيل الطويل وعندها كان الختام.